إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1163

زهر الآداب وثمر الألباب

ولبديع الزمان إلى بعض الأشراف في درج كلام تقدّم : إن جعلنا نعدّ فخاركم ، ونحدّ آثاركم ، نفد الحصى قبل نفودها ، وفنيت الخواطر ، قبل أن تفنى المآثر ، ولم لا ، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته ، أو العلم فأنتم عاقد وإزرته . أو الدين فأنتم ساكنو بلدته ، أو الجود فأنتم بنو بجدته ، أو التواضع صبرتم لشدّته ، أو الرأي صلتم بحدته ، وإنّ بيتا تولى اللَّه عز وجل بناءه ، ومهّد الرسول عليه السلام فناءه ، وأقام الوصىّ رضوان اللَّه عليه عماده ، وخدم جبريل عليه السلام أهله ، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير . وذكر النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم أعرابىّ فقال : بأبى وأمي رسول رب العالمين ، ختمت به الدنيا ، وفتحت به الآخرة ، صلى اللَّه عليه وسلم ، به يبدأ الذكر الجميل ويختم . إلى هذا المكان أمسكت العنان . والإطناب في هذا الكتاب يعظم ويتّسع ، بل يتصل ولا ينقطع ؛ إذ كان غرضى فيه أن ألمح المعنى من معانيه ، ثم أنجرّ معه حيث انجرّ ، وأمرّ فيه كيف مرّ ، وآخذ في معنى آخر غير موصول بشكله ، ولا مقرون بمثله ، وقد أخل نظاما ، وأفرد تؤاما ، نشرا لبساط الانبساط ، ورغبة في استدعاه النشاط . وهذا التصنيف لا تدرك غايته ، ولا تبلغ نهايته ؛ إذ المعاني غير محصورة بعدد ، ولا مقصورة إلى أمد . وقد أبرزت في الصدر ، صفحة العذر ، يجول فرندها ، ويثقب زندها ، وذلك أنى ما ادّعيت فيما أتيت إلا ما [ لا ] يكون ما تركته أفضل مما أدركته ، وأنى لم أسلك مذهبا مخترعا لم أسبق إليه ، ولا قصدت غرضا مبتدعا لم أغلب عليه ، ومن ركب مطيّة الاعتذار ، واجتنب خطيّة الإصرار فقد خرج من تبعة التقصير ، وبرىء من عهدة المعاذير . وأما بعد فإن أحقّ من احتكم إليه واقتصر عليه الاعتراف بفضل الإنصاف ، وليعلم من ينصف أن الاختيار ليس يعلم ضرورة ، ولا يوقف له على صورة ، فيكثر الإغماض ، ويقل الاعتراض ، ويعلم أنّ ما لا يقع بهواه ، قد يختاره سواه ، وكلّ يعمل اقتداره ، ويحسن اختياره ، فلو وقع الاجتماع على ما يرضى ويسخط ، ويثبت ويسقط ، لارتفع حجاج المختلفين ، في أمر الدنيا والدين .